***************************************************
تبعثرني الأيام، فأعاود لم شتاتي، لأتمكن من الحياة، من البقاء و الاستمرار. أجاهد لكي لا أكون ماضيا، أو ذكرى متبقية حالكة بعاري الذي خلفته على أسرتي، بل قبيلتي كافة. يلاحقني وجه عزان في كل مكان، فيبعث لي قشعريرة تشلني، تمنعني من الوقوف و حتى التنفس، تجعل صوتي صدأً لا يقوى الصراخ. أتذكر بندقيته التي يستخدمها للصيد، و وجهه البارد ذو الشارب الأسمر المعقوف الذي يزيده لا مبالاة و قسوة. عندما تشتد نوبات خوفي فإني أرى عزان في كل الوجوه، في روائح الأجساد التي تمرني، و في تلك الثملة التي تقف في الأزقة القذرة المبتلة بالمجاري و المكدسة بأكوام النفايات، أسمع نبرته في كل الأصوات التي تصرخ "شير" منادية إياي. منذ سبعة عشر عاما لم يقطع زياراته لي في منامي، يأتي كل يوم حاملا بندقيته، موجها إياها إلى مؤخرة رأسي، شارعا في قتلي، يضبط الزناد ليصدر صوت الاستعداد للطلقة، يكبس بإصبعه السبابة و ينفجر البارود مدويا مفجرا رأسي، و غاسلا عاري بدمي. منذ سبعة عشر عاما أعاني الألم و الشوق لأمي و جدتي و أبي و مربيتي الفارسية روشنك، منذ سبعة عشر عاما و أنا أعاني الغثيان، بسبب رائحة الخيانة المنتنة التي أزكمت أنفي، و منذ تلك السنوات و أنا أشعر بالدونية و بأنني لا أستحق الحياة.
أحتضن جسدي بقوة لأحمي نفسي من عزان و من حضوره في أي لحظة، أرمي فتات البسكويت المتبقي للبجع في البحيرة التي تحولت إلى اللون الذهبي بفعل الغروب، أحمل حقيبتي وأشد قميصي الرمادي ليستر ردفاي و أتجه إلى شقتي. في المصعد التقيت مليكة،صديقتي المغربية التي دبرت لي عملي الجديد، سألتني:
- كيف هو عملك الجديد، و كيف هو جان معك؟
- جيد، جيد جدا، أفضل بكثير من عملي السابق، و يبدو أن جان شاب لطيف و رب عمل متفهم، شكرا لك
- أتمنى لك حظا موفقا، و ابتسمت
- شكرا جزيلا
توقف المصعد عند الطابق الثالث، نزلت مليكة متجهة إلى شقتها، أكمل المصعد صعوده ليصل إلى الطابق السابع حيث أقطن. اتجهت مسرعة إلى شقتي لكي لا أتواجه مع ستيف، جاري الثمل، العنصري، الذي يهوى أن يكيل لي الشتائم بمجرد أن يراني، فقط لأنني سمراء، شرقية لا أملك شعرا أشقر أو قواما ممشوقا بساقين طويلتين و نحيفتين.
أعددت عشائي المكون من شوربة معلبة و قطع من الخبز، و أخذت صينية العشاء إلى سريري، رغبت بتدليل نفسي بعد يوم عمل شاق. أدرت التلفاز على محطة إخبارية لأتابع مستجدات العالم. بعد أن فرغت من احتساء الحساء و التهام قطع الخبز قررت أن أذيب التعب في حمام ساخن، مليء برائحة الياسمين المنعشة، ملأت البانيو بماء دافئ و صببت بسخاء سائل الاستحمام المعطر بالياسمين حتى غطت رغوة الصابون سطح الماء، أدخلت رجلي اليمنى العارية إلى المغطس و تلتها اليسرى و من ثم دفنت جسدي ببطء في الماء الساخن ذي الرغوة الغنية. ألقيت برأسي على حافة البانيو و أغمضت عيني طوعا ليرتخي جسدي و عقلي. ذكرتني رائحة الياسمين بأمي و جدتي و مربيتي الفارسية روشنك، لم أستوعب جمال اسمها إلا عندما بلغت الرابعة عشر من عمري، عندما كنت أجلس معها على سطح دارنا في ليلة شتوية مقمرة، و كان القمر يسقط ضوءه الشاحب الخجل على الجبال، قالت:
- هل ترين ذلك الضوء الخفيف، هو أسمي
- ابتسمت و تابعت كتابة أسم "سعد" على الغبار المكدس على أرضية السطح، كنت أمسح الاسم براحة كفي و أعيد كتابته بإصبعي السبابة العاري، "إذا معنى اسمك ضوء القمر؟"
- لا... لا سيدتي، إنه يعني الضوء الخفيف
أرغب أن تشبه حياتي اسم روشنك، هادئة و مليئة بالسلام و الطمأنينة، كذلك الضوء الخفيف الذي بعثه القمر في تلك الليلة الباردة.
صوت طلقة بارود صاخبة دوت، استيقظت وجلة من حلمي الجميل، استيقظت من رائحة أمي و جدتي و وجه روشنك الدائري ذو الوجنات البارزة الموردة و الأنف الدقيق، و بدا لي بين الأبخرة المتصاعدة في الحمام وجه عزان، ملأت رائحة البارود و رائحة جسده المكان، نهضت فزعة ، تناولت الروب المعلق على الباب، غطيت جسدي المبتل، ركضت إلى السرير لأدفن نفسي تحت بطانيتي البيضاء ذات الحاشية المطرزة بأزهار بريطانية، و أخنق أنفاسي و نحيبي و أوئد دموعي الساخنة تحت وسادتي. فاحت رائحة الياسمين من جسدي النظيف المبتل، الذي لا يشبه بتاتا جسدي الحقيقي، الملطخ بالعار، فاسترجعت أمي و جدتي و مربيتي لتهدأ نفسي و أنام و أنا أشهق بكائي بتقطع كالأطفال.
استيقظت بعينان متورمتان، و وجه ذابل جراء بكائي ليلة البارحة، اتجهت إلى المطبخ لأعد فنجان قهوة ساخن، لا أرغب في الأكل، شهيتي مقطوعة، لا زلت مرتعدة و لا زلت مشتاقة لأمي. لا أعرف عنها شيئا منذ أن انقطعت رسائل روشنك عني منذ سبع سنوات. حتى في تلك الرسائل لا أتجرأ أن أسأل عن عزان، لا أستطيع كتابة اسمه في رسائلي، عندما أشرع بذلك، أتصبب عرقا و تشل يداي عن رسم الحروف.
أدخل إلى المخبز مصدرة رنين ناتج عن ذلك الجرس المعلق على الباب
- صباح الخير
- صباح الخير، يبدو أنك لم تنعمي بليلة جيدة بالأمس!، يسألني جان
- آه نعم، مجرد أرق
لم أرغب في الدخول للتفاصيل، ارتديت غطاء الرأس البلاستيكي و المعطف الأبيض الذي يحمل شعار المخبز مطرزا على الجانب الأيسر من الصدر، و إسمي مدون تحت الشعار "شير. م"، اكتفيت بالحرف الأول لإسم والدي، لم أرغب أن أكتبه كاملا "محمد" حتى لا يعرف الجميع أنني عربية أو مسلمة. دسست كفاي في قفازان بإصبع واحد، مصنوعان من القماش، و اتجهت إلى الفرن لأرمي قطع العجين الجاهزة فيه.
ذكرني الفرن و لهيبه بتهديدات عزان ، و قسمه بأنه لن يتكرم بدفن جثتي بعد أن يقتلني، لأنني لا أستحق الرحمة و لا أستحق النوم بسلام بجوار أسلافي الملائكيون، لا يريدني أن أدنس مقبرة العائلة بجسدي الغير طاهر، أقسم بأغلظ إيمانه بأنه سيحرق جثتي ليحرق العار معي، فأنا نجسة لا أستحق إكراما بدفني و لا حتى الصلاة علي. كانت دموع أمي تنهار و هي تسمع تهديداته، تضرب صدرها حسرات بكفيها، و تردد "إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، و لكن، لم يكن عزان يصغي لتوسلاتها، و كأنها تتوسله بصوت بلا حنجره و هو يصغي إليها بصمم بالغ. سرت قشعريرة في جسدي و أنا أتصور جثتي تحرق، و تنثر الرياح رمادي لتبعثه إلى البعيد، إلى حيث لا يعلمون.
- شير.... هناك من أتى لزيارتك، يصرخ جان
أخرج من غرفة الفرن حاملة سلة مليئة بالخبز الساخن لأصفه في الواجهة الزجاجية، لأجد مليكة، التي أتت لتدعوني لتناول الغداء معها لتخبرني بأمر مهم للغاية.
*******
في بستان النخيل، ذلك الوطن الصغير الذي لم أعرف سواه حتى بلغت السادسة عشر من عمري، تركت ذكرياتي و عائلتي ، ودعت أبي و أمي و جدتي و صديقتي نوار، و تركت أخي و رجولته التي لم تفتل إلا على ضعفي و انكساري، تركت قلبي الذي لم أشأ في أن أحمله خارج أسوار ذلك الوطن، تركته مفطورا و محطما مع سعد، ذلك الشاب الأجير الذي خدعني بما فيه الكفاية، حتى بت لا أتحمل أن تخدعني الأيام مجددا، أكره استرجاع ذكرياتي معه، لأنها تذكرني بأنني لم أكن يوما ذكية، لو كنت كذلك لما تمكن مني، لما جردني براءتي، و خطف طهري، لو كنت كذلك لما صدقت وعوده الباهتة، و كذبه السافر و لشممت رائحة الخيانة تفوح من جسده النحيل كلما التقيته، و لاستشفيت ذلك من خطواته المبعثرة التي يمشي بها مبتعدا بقدميه الشبه حافيتين بسبب صندله المتهالك، المكسيتين بالوحل الذي تخضب به و هو يحرث الأرض، و هو يلوك غصنا رطبا بلا مبالاة . لا أستطيع أن أعطي نفسي عذر الطفولة لتبرير غبائي اللا محدود، نعم كنت أبلغ الخامسة عشر حينها و لكن ابنة عمي جواهر كانت كذلك، و صديقتي نوار كانت كذلك و سارة ابنة الحجة فاطمة كانت كذلك، كلهن كن في مثل عمري، لكنهن كن أكثر ذكاء و حذرا.
في ذلك المساء الذي طلب مني سعد أن التقيته في مخزن المزرعة، شعرت بالحب و شعرت أنني فتاة محظوظة جدا، أو هكذا خيل لي، انتظرت الجميع حتى غط في نوم عميق و حملت نفسي بكل هدوء متجهة إلى حيت ينتظرني حبيبي، في الطريق كنت أتذكر عمتي راجحة، و كم هي سعيدة مع زوجها لأنها تزوجته بعد قصة حب طويلة عرفها الجميع و باتت مثلا، هكذا كنت أريد أن أكون و رغبت لحياتي هكذا مصير، سارعت خطاي عندما صرت بعيدة عن الدار، فالآن لا يمكن لأحد أن توقظه خطواتي و صوتها الملهوف، كنت أستحلف القمر و النجوم بأن لا تشي أمري لأحد، فأنا فتاة جيدة جدا، أعلم بأن ما أرتكبه خطأ و لكن قلبي أرغمني عليه. فتحت باب المخزن بحذر شديد، أصدر صريره المعتاد، فشعرت في تلك اللحظة بأن جميع من يقطن المزرعة قد سمع ذلك الصرير، الذي جعله الخوف في عقلي كأنه صوت رعد له أن يوقظ الجميع، همست ... سعد .. سعد أين أنت، أنا شريفه، إنني هنا ... أشعل سعد فانوسا كان يحمله بيده و قربه إلى وجهه الذي بدا لي ماكرا جدا في تلك الليلة، خرج من خلف أكوام التمر المحفوظة في أكياس من الخيش، مالك، صاحب المزرعة ، بقامته الضخمة و كرشه المستدير، و أسنانه الصفراء، التي لم يفلح المسواك المزروع في فمه في أن يجعلهن أكثر بياضا. نشفت عروقي و شعرت بأن الدم قد تجمد فيها، شممت رائحة غدر و خيانة تلف المكان، نظرت إلى سعد بعينان جاحظتان تطرح تساؤلات عديدة، لم أجد في وجهه إي إجابة، فقط ابتسامة خبيثة و جشعة جدا، قررت أن أهرب، أجري بحثا عن النجاة، و لكني بئت بالفشل، فقدماي كانتا أضعف من أن تحملان جسدي المرتعد، و تصبب عرقي ليجعل الأرض تحتي دبقة، زلقة، موحلة تعيقني من الجري، ركضت لمسافة قصيرة جدا، بخطى متضاربة وهنة، تمكن مني سعد و أعادني إلى المخزن، ليقدمني قربانا لسيده. الذي نحر شرفي و وأد طهري في تلك الليلة.
خرج مالك من المخزن و هو يدير المسواك في فمه، مجلجلا بضحكته. بصق سعد على وجهي، ثم أمسك بشعري و صرخ بصوت مخنوق في أذني:
- أنا لم أعرفك يوما، أتفهمين يا ساقطة!
بقيت مستلقية على أرضية المخزن حتى استجمعت قواي، حملت أشلائي و غادرت متجهة إلى الدار، لا يزال الجميع يغط في نوم عميق، إلا روشنك التي اكتشفت اختفائي، فانتظرتني في حجرتي إلى أن عدت، ارتميت في حضنها بحالتي المزرية، و أجهشت في نحيب مر و عليل، كنت أحاول أن أغرق صرخاتي، و أحبس شهقاتي حتى لا أوقظ أحد، فيُكشف أمري، و يُفجر رأسي ببندقية أخي.
- من فعل بك هذا؟؟!!
- إنه ... إنه .. مـــ .... مـــ ..مــالك
- ماذا فعل بك؟!!
أخبرتها ما حدث لي، لطمت وجهها و صدرها، صفعتني على وجهي و صرخت يا غبية، لم تكن تلك الصفعة إلا ردة فعل غير مسبوقة التفكير، كانت لتفريغ الخوف و الغضب اللذان سكنا قلبها الفارسي الجميل. أمرتني بغضب:
- نامي و لا أريد أن أسمع حتى زفيرك، نامي لنعلم كيف يمكننا أن نواري تلك المصيبة.
كيف لي أن أنام و أنا أحمل مصيبة فوق رأسي، مصيبة لها أن تقتلني من ثقلها، شعرت بالدونية و النجاسة، و بأنني لا أستحق الحياة، شعرت بأنني خذلت أبي و أمي و حتى أخي عزان، لطخت شرفهم و طمرت وجوههم في الوحل، رغبت في الموت، و تمنيته أكثر من أي شيء آخر في هذه الحياة.
لم تنم أي منا في تلك الليلة، أنا مستلقية في فراشي بدموعي الغزيرة، أدعو الله أن ينهي عمري، و يحفظ سمعة عائلتي، و روشنك أمضت ليلها في باحة الدار، تفكر كيف لنا أن نخرج من مصيبتنا هذه. عند الفجر أتتني مسرعة لتخبرني أنها قررت أن تعلم أمي بالموضوع، لنهرب بعدها دون أن يعرف أي كائن بالأمر (سوى أمي طبعا). رجوتها أن نهرب دون أن تعرف أمي ذلك أيضا، و لكنها أصرت على قرارها، لأنها لا ترغب أن تموت أمي كمدا علي، كما أن علمها بهروبنا سيوفر لها السبيل الذي يمكن فيه أن تتقصى أخباري.
أمرتني بأن لا أخرج من غرفتي أبدا، و أدعي المرض، حتى لا يراني أحد بحالتي المزرية فيُكشف أمري و يُفجر رأسي.قررت أن تنتظر حتى وقت الضحى، حيث يخلو المنزل إلا منا، و يكون أبي و أخي منهمكان في المخزن و المزرعة، يحصيان المحاصيل و يشرفان على العمال، و بذلك تضمن أن لا يسمع أحدا ذلك الحديث الذي سيدور بينهما. و عندما حانت اللحظة، سمحت صرخة مدوية أطلقتها أمي، و لطمات على الصدر و الخد و هي تردد: "وااااااااااا حسرتااااه.... وااااا حسرتااااه"، تكورت في فراشي، و أخذت أكيل لجسدي و رأسي الضرب لأعاقب نفسي على ما ارتكبت. و بين حسراتنا أنا و أمي سمعت صوت جلبة و صراخ في باحة المنزل، لم يكن صوت أمي و روشنك فقط، فقد كان بينهما صوت أألفه و لكني لا أرغب في أن أصدق بأنه صوت عزان، ركضت أطل من باب غرفتي لأتأكد من الأمر، و كانت الطامة الكبرى، لقد عرف عزان بالمصيبة، لقد سمع الحديث الذي دار بين أمي و روشنك في تلك اللحظة. يال حظي العاثر، في هذا اليوم دون سائرها قرر الحظ و القدر أن يلعب لعبته القاسية معي،و أن يسخر مني مجددا، فقد نسي عزان بعض الأوراق التي يجب أن يسلمها لمالك، فعاد ليأخذها، و دون أن يشعر به أحد دخل إلى المنزل في ذلك الوقت بالتحديد. لا زلت أحمد الله كثيرا لأن أبي لم يكن حاضرا في ذلك الموقف، لأنني لم أرغب أبدا أن يعرف حقيقتي، و أن يعلم أنني خنته و سببت له العار، لم أرده أن يتحسر على ذلك الاسم الذي اختاره لي، لأنه كان يؤمن بأنني سأعيش شريفة و أموت شريفة.
كانت أمي ملقاة على الأرض، تمسك قدم عزان اليمنى لتمنعه مني، و هو يكيلها رفسا لكي تتركه، رأيته و الشرر يتطاير من عينيه، لم أر وجها أخافني حتى الموت في حياتي كوجه عزان في تلك اللحظة. جريت إلى داري و أغلقت الباب و أنا أدعو الله أن يلطف بي، جلست على حافة سريري و أنا أميل بجسدي بشدة إلى الأمام و الخلف لأنسى الخوف الذي سكنني، و لأنزع منه تلك الرعشة التي كادت أن تقتل قلبي، كنت أتضرع إلى الله بالدعاء، رجوته بأن يزلزل الأرض من تحت قدمي، فتنشق و تبتلعني و تعود لتنطبق علي، لو أن دعائي أستجيب في تلك اللحظة لكانت الأرض أبتلعتني و ابتلعت عذابات السنين التي رافقتني منذ تلك اللحظة إلى الآن.
طرق عزان باب غرفتي بكل ما أتي من قوة، و هو يتوعدني و يصرخ:
- افتحي الباب يا ساقطة، و إلا فجرته و فجرت رأسك بالبارود
كنت أرتعد خوفا، و قد بللت نفسي من شدة الرعب الذي تملكني، كنت أسمع أمي و روشنك تسترجيانه بأن يهدأ و أن الأمور لا تحل هكذا ، و كنت أسمعه و هو يدفعهما و يسقطان أرضا ليعاودان الوقوف و الترجي و المحاولة، كان يصرخ ... سأقتلها ... سأقتلها ... سأقتل تلك العاهرة و سأطهر هذا المنزل الكريم من نجاستها. فُتح باب غرفتي عنوة، بعد أن كسره عزان بيدين أكسبهما الغضب قوة لا تقهر، تقدم إلى سريري حيث أجلس متسمرة، و البلل يحيط بقدماي الحافيتان اللتان انكمشتا من شدة الخوف ، عيناه حملت رغبات شيطانية في قتلي دون رحمة، ظننت أنه سينحرني كشاة، و سيعلق رأسي على باب منزلنا ليخبر الجميع أنه غسل عاري بيده. و لكنه لم يفعل، تقدم أكثر نحوي، ليلاصقني، للدرجة التي بدأت أشعر بأنفاسه الساخنة الغاضبة، ظل يرمقني بنظرات مخيفة و هو يشهق و يزفر بغضب شديد و كأنه يخطط كيف له أنه يقتلني بأكثر الأساليب قسوة، كسر الصمت المرعب، صرخ" يا عاهرة" و لطمني على وجهي حتى فقدت السمع من أذني اليسرى لبرهة، ثم أخذ يضربني بعقب بندقيته حتى بدأت لا أشعر بأي ألم من شدة الألم،أحسست بأن جسدي يسبح في الهواء، ظننت لحظتها أنني فارقت الحياة، ظننت أنه طعم الموت، و سأرحل إلى الأبد، سأرحل بعاري و سوادي، ابتسمت و تركت روحي ترحل حيثما تشاء.
استيقظت، دون أن أعرف كم لبثت فاقدة وعيي، وجدتني في غرفة مظلمة، كان كل شبر من جسدي يؤلمني حد الموت، لم أكن أستطع أن أحرك أطرافي و لا أن أرفع رأسي، كنت ملقاة في وضعية الجنين، تمكنت بعد جهد كبير من أن أحرك جثتي لأستلقي على ظهري، مضغت ألمي و أغرقت صرخاتي، و اكتفيت بالأنين من ذلك الألم الذي شعرت به عندما رميت بثقلي كله على ظهري، و بعد ذلك الجهد علمت بأنني استنفذت كل طاقتي، فلم أعد استطع أن أقوم بحركة إضافية، و مرة أخرى، وجدتني أفقد الشعور بكل ما يحيط بي، لأعود و أرسل روحي إلى حيث لا أعلم، و أغط في نوم عميق أشبه بالإغماء.
عندما أفقت مرة أخرى، عرفت بأن الوقت صباحا، لقد استشفيت ذلك من النور الخفيف المتسلل من أسفل الباب، أدركت بأنني في مخزن المنزل، و عرفت لحظتها بأن عزان لم يقتلني في ذلك اليوم، و لكنه ينوي قتلي بطريقة بشعة، بطريقة أكثر إيلاما ،فلا أحد يفهم أخي و قسوته كما أفعل أنا، لم أشعر يوما أنه يحنو علي كما كان يفعل صايغ مع نوار، أو هلال مع جواهر، و لم أشعر أبدا أنه أخي الكبير، الذي يذود عني أو يتنازل عن رغباته لأجلي أو يمسح دمعتي عندما أجرح أو أسقط فأتأذى، أذكر ذلك اليوم الذي كسر فيه يدي فقط لأنني أخذت بعض قطع الحلوى التي كان يدسها تحت وسادته، تلك التي كان يحصل عليها من مالك عندما كان يجيد عملا ما أسنده إليه، عندما اكتشف أنني أنا التي تسللت إلى غرفته و أخذتها، هاج و غضب و أخذ يلعن و يشتم، و ينعتني بالسارقة، لم أكن أتجاور السادسة حينه، و كلمة سارقة جائرة جدا على طفلة ارتكبت حماقة أو خطأ، فالأطفال يخطئون و يتعلمون من أخطائهم، فأراد تأديبي كما زعم، أمسك يدي و ثبتها على البئر و من ثم ضربني بحجر كبير ملأ كفه،لم يرحم دموعي و لا توسلاتي و لا أسفي، و لا توبتي التي أعلنتها ببراءة الأطفال بأنني لن أعود أبدا لفعلتي هذه مجددا، بعد ذلك خرج من المنزل غاضبا تاركا يدي الصغيرة المكسورة و دموعي المنهمرة دون رحمة، لم يعد إلا في المساء، و حتى عندما عاد لم يشعر بالأسف أو الألم أو الندم لما سببه لي. أحيانا كثيرة أشعر بأنني أكره أخي، أكرهه إلى الحد الذي أغضب فيه من القدر الذي جعله يسكن البطن ذاتها التي سكنتها تسعة أشهر.
فُتح الباب، زحفت إلى زاوية المخزن و تكورت على نفسي و أنا أواجه الحائط، أرتعد من الخوف، و أستعد لأن يستقبل رأسي رصاصات عزان، بكيت و استرجيت بصوت مرعوب متحشرج:
- ارحمني أرجوك، ارحمني... أنا آسفة، لن أكرر ذلك أبدا يا أخي
سمعت صوت صينية توضع على الأرض، و صوت دموع تلاك و نحيب مخنوق، فأدركت أنه ليس عزان، التفتت ببطء بعيون شاخصة تغمرها الدموع و أنف مزكوم من شدة البكاء أمسحه بكفي المرتعدة ،لأرى من كان هناك، و لكني وجدت باب المخزن يغلق، و طرف ثوب روشنك يودعني بألم. عدت لأتكور في الزاوية، أضرب رأسي بالجدار و أجهشت في نحيب شديد، أصبحت أكثر إدراكا و إيمانا أن عزان ينوي قتلي ببطء و دم بارد لا يحمل الرحمة.
كانت تمر الأيام، و يتعاقب الليل و النهار و لم أعرف كم مضيت في ذلك المخزن. كان عزان يدخل بين الحين و الحين ليشبعني ضربا و يخرج بعد أن يهمس في أذني:
- ستموتين هنا يا ساقطة كالكلاب المنبوذة، ستموتين بسبب البرد و الجوع و الضرب الذي لن أرحمك فيه أبدا، هل تعرفين لماذا لا أريد قتلك مباشرة؟ لأنني لا أرغب في أن نفقد سمعتنا و مركزنا، و لا أرغب في أن يموت أبي كمدا عليك يا حثالة.فعندما تموتين هنا سنخبر الجميع أن مرضا ألم بك فقتلك.
في أحد المرات أخبرني بأنه سيترك جثتي تتعفن في هذا المخزن، لتأكلها الفئران، و حين تملئ رائحتها المنتنة المكان سيحرقها، لأنه لا يريد أن يلوث مقبرة عائلتنا الطاهرة. عندما كان يضربني، كنت أسمع صوت أمي تسترجيه من خلف الباب الموصد:
- "ارحمها أرجوك، ارحمها...ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"
و كنت أسمع بكاء روشنك يواسي والدتي. لطالما سمعت بكائها و صلواتها، و كم كان قلبي ينفطر لدموعها، ألعن نفسي بسبب ما سببته لها من ألم. أدركت بأن هذا المكان سيكون قبري المحتوم، و أنني مت من اليوم الذي أُغلق فيه الباب علي هنا، لن أرى وجه أمي ثانيه و لن أقبل جبين أبي أبدا، و لن أخبر روشنك أسراري المجنونة.
على الرغم من مرور شهور على تلك الحادثة، إلا أن غضب عزان كان يكبر و يثور في داخله كبركان، لم يخمد يوما، بعد أن يفرغ من ضربي، كان يمسكني من شعري بشدة حتى أشعر بأنه يرغب في كسر رقبتي، و يهمس في أذني:
- إن الله لا يريدك أن تموتي لكي تتعذبي في الدنيا والآخرة، و يبصق على وجهي و يرحل.
كانت القروح و الكدمات تملأ جسدي النحيل، الذي اقتات على التمر و حفنات الماء، و بعض الطعام الذي كانت تهربه لي روشنك بين الحين و الحين، و هي بذلك تكبد نفسها مجازفة كبيرة، فلا أحد يعلم ردة فعل عزان إن اكتشف الأمر، قد يحرمني من تلك التميرات و رشفات الماء التي يتفضل بها علي حتى أموت جوعا و عطشا. لم يكن يسمح لي بالخروج أبدا، و حتى حاجتي كنت اقضيها في سطل، تفرغه روشنك عندما يمتلئ، و قد استخدم عزان ذلك السطل، الذي يحتوي على فضلاتي الشحيحة بسبب فقر الطعام الذي أتناوله لينهي به علقة الضرب التي يكيلها لي،فيفرغه علي و هو يردد: أنت تشبهين هذا، و بذلك كان يوفر لعابه الذي يبصقه على وجهي. كم كان المكان منتنا و رائحة جسدي أصبحت تشبه رائحة المكان، أيام قليلة هي التي سمح لي فيها عزان بالاستحمام، و كان ذلك برشقي بدلو من الماء!
بقيت سجينة ذلك المخزن عشرة أشهر متتالية، أصبحت واهنة، كان الموت ينتظرني عند عتبة الباب، و كنت أصلي كل يوم في الليل عندما يستسلم جفناي للنوم بأن لا يفيقا مجددا، و في الصباح عندما اكتشف بأن صلاتي لم تستجب كنت أبكي، و أقول في نفسي إن الصلوات لا تستجاب إلا للطاهرات.
في إحدى الليالي استلقيت على الأرض الصلبة، التي اعتاد جسدي المتهالك النوم عليها دون أن يشكو قساوتها، و بدأت في ترتيل دعائي، و عندما بدأ النوم يتسلل إلى جفناي المرتعشان، شعرت باب المخزن يُفتح، ظننت بأن صلاتي أستجيبت أخيرا، و أن الموت المترصد لي الواقف أمام الباب قد قرر الدخول أخيرا، ابتسمت و أرخيت جسدي انتظره في أن يحتويني، و يحملني بعيدا عن هذا العذاب. شعرت بيد دافئة تهزني، لم أدرك بأن الموت حنون و جميل و دافئ جدا هكذا، سمعت صوت يناديني بهمس:
- شريفه...شريفه، استيقظي هيا
فتحت عيني لأجد أمي تجلس أمامي، ظننت بأنني في حلم، حلم جميل قرر أخيرا أن يزورني بعد عشرة أشهر! و لكن لا ، لم يكن حلم، بل هو واقع جميل جدا، احتضنتها بشدة و أخذت أبكي على صدرها الذي افتقدت حنانه، ضمتني هي حتى شعرت بأن ضلوعي الواهنة تكاد أن تطحن، لم آبه بآلام جسدي التي خرجت لتعلن عن كدماته الموجودة فيه، فقد أكسبني حضنها الأمان الذي فقدته هذه المدة الطويلة. أمسكت بوجهي و قالت:
- أسرعي... أخرجي من هنا، ستهربين أنت و روشنك، إنها تنتظرك في الزقاق الذي بين منزل الحاجة فاطمة و عمك سناد
- ارتعدت و قلت لها:لا، إن اكتشف عزان ذلك سيقتلنا جميعا
- لا تفكري بعزان الآن، هيا... هيا أسرعي، أخرجي من هذا الجحيم
حملت جثتي الخاوية، أسندتني أمي حتى وصلت إلى باب المنزل، هرولت إلى الزقاق حيث تنتظرني روشنك، لا أعلم من أين اكتسبت تلك الطاقة و القوة التي مكنتني من حمل قدماي اللاتي غدتا كغصن هش. في ذلك الزقاق وجدت روشنك تنتظرني و هي تحمل صرة على رأسها تمسكها بيدها ، و في اليد الأخرى تحمل لي عباءة و شال، لبستهما و سترت وجهي لكي لا يعرفني أحد، فالجميع كان يظن أن مرض معدي قد ألم بي، و قد تم حجري حتى لا ينتشر المرض، تماما كما أمر ذلك الطبيب الصومالي الذي اختلقه أخي من عالم الخيال لتنطلي الكذبة على الجميع. أما والدي فقد أقنعه أخي بأنه ينوي تأديبي بحبسي في ذلك المخزن لأنني أحببت ذلك الأجير سعد و أعلنت بأنني سأهرب معه لأتزوجه إن رفضوا هم تزويجي إياه! و كعادة أبي و شخصيته المسلوبة أمام عزان، فإنه يوافقه على كل قراراته دون أن يناقشه فيها.
أسرعنا الخطى في هذا الليل الحالك، لنترك الجحيم خلفنا، و نبتعد عن مصير موت محتوم، مشينا على أقدامنا حتى وصلنا الشارع الرئيسي، حاولنا الابتعاد قدر المستطاع، و ظللنا نمشي حتى صادفنا شاحنة تحمل بضاعة على متنها. أشارت روشنك للسائق لأن يقف، و طلبت منه أن يقلنا، سألها إلى أين نحن نتجه فأخبرته إلى الميناء، وافق أن يأخذنا معه لأنه ذاهب إلى هناك أيضا،بشرط أن ندفع له. وافقت روشنك و ركبنا في مقطورة الشاحنة المكدسة بالبضاعة. في تلك اللحظة فقط شعرت بالحرية التي أخذت مني عنوة عشر أشهر، شعرت بالأمان و القوة، و شعرت بأنني الآن فقط ودعت الموت الذي كان ينتظرني كل يوم على عتبة باب المخزن، سألت روشنك:
- إلى أين نحن ذاهبات
- إلى دياري
وضعت رأسي على حضنها، و أخذت تمسحه بيداها الحنونتان، تماما كما كانت تفعل عندما كنت طفلة لم تدنسني هذه الحياة، بكيت و من ثم غطيت في نوم عميق، نام جفناي دون أن يرتجفا خوفا، و تحررا من كل تلك الدموع المالحة المليئة بالألم و الرعب و الترقب.
وصلنا إلى الميناء مع الفجر، أيقظتني روشنك، نزلنا من الشاحنة و أعطينا السائق الدراهم المتفق عليها. كان الميناء يعج بالمسافرين و الناس، كان البحر رائعا، و الجو قد أنساني عزان للحظة، و لكن ذلك الرجل المسن الذي يجلس القرفصاء و يحدق بنا أشعرني بالرعب، شعرت بأنه يعرف روايتنا و بأنه سيشي بأمرنا لعزان، أشحت نظري عنه، و لكني شعرت بأن كل الوجوه تحمل النظرات ذاتها، و أحسست بأن الجميع بلا استثناء يعرف قصتي، رأيت وجه عزان في كل الوجوه و سمعت صوته في كل الهمسات، احتويت روشنك بشدة و انتحبت بخوف شديد. هدأت من روعي و أخبرتني بأن لا أقلق، و بأننا سنكون في مأمن بعد سويعات قليلة.
ركبنا الباخرة التي ستقلنا إلى إيران، إلى ديار روشنك، حيث سنختبئ من الموت و الألم و العار. أبحرت بنا السفينة تشق البحر و أمواجه، مرسلة إيانا إلى وجهتنا، حاملة لي حياة جديدة و مختلفة جدا عن تلك التي عشتها. كنت أحدق سارحة إلى البحر، أفكر هل عرف عزان أمر هروبنا، و ماذا فعل بأمي؟ و هل سيجدنا مهما هربنا و ابتعدنا؟... ربتت روشنك على كتفي لتقطع تلك التساؤلات من رأسي، طلبت مني أن أذهب إلى مقصورتنا لأستحم و أستبدل تلك الثياب القذرة. ارتديت قميصا أبيضا ذو ورود زهرية و بلوزة طويلة سوداء واسعة، و غطيت شعري بشال أبيض ربطته بعقدة عند نحري كما تفعل روشنك.
من لإمارات العربية المتحدة
رائـــــــــــــــــــــــعة أنتي يا ألماس
أخذتني إلى مكان و زمان مختلفين لم أخرج منهما إلا عندما انهيت قراءة القصة ، انتظر بشوق باقي القصة، و اتساءل كيف ستكون حياة شريفة بعد أن فرت من الجحيم؟؟؟