أخشى مستقبلي المبهم، و أترقبه في أحيان كثيرة، أرغب في كشفه دون أن أرتاد كاهنا أو عرافا، يقرأ طالعي و يتنبأ أيامي القادمة، فقط لكي لا أخافه كلما استيقظت صباحا و أخذت في التفكير به. لطالما تساءلت كيف لذلك المستقبل أن يكون، كيف ستكون حياتي عندما أبلغ الستين؟ هل ستشبه حياة جارتنا "أم محمد"، التي تلوك أيامها المتبقية وحيدة في منزلها القديم، الذي غاب عنه الزوج بوفاته و غادره أبناءها الستة بعد أن قرروا الزواج و الاستقرار بحياتهم، أم أنني سأكون برفقة رجل طيب محب، و أبناء سيجلبون لي السعادة بأحفاد سيتراكضون حولي ليكونوا هدية لي من السماء. أرغب في إنجاب أربعة أبناء، صبيان و فتاتان ، و على ذلك يبدو بأنني سأحظى بعدد لا بأس به من الأحفاد. صديقتي سديم، لطالما قهقت على أفكاري تلك، تخبرني دائما بأنني أشغل نفسي بأمور المستقبل أكثر مما يجب، نصحتني ذات مرة بأن لا أتعلق بالمستقبل و أعيش لحظتي فقط، و لكني لم أفلح أبدا في تطيبق ذلك. أخبرتني، أن نشغل نفسنا بأمور المستقبل قد يكون مخيبا للآمال عندما نخفق في الوصول إلى تلك الأحلام. عندما انظر إلى خالتي"منال"، أرى بأنني أشبهها في أمور كثيرة، لذلك تعلق قلبي بها منذ أن كنت طفلة صغيرة. كنت أراها مثلا لي في كل شيء، في طموحاتها و أحلامها و حياتها التي قضتها و هي تتنقل بين دول العالم مع زوجها "حمد"، لتشاركه حياته السياسية. في ليالي الربيع الجميلة، التي كنا نقضيها في مزرعة العائلة، عندما كنا صغارا، كنت دائما أحب الاستلقاء بجوار خالتي "منال"، عندما نقرر النوم في العراء، لنستمتع بنسمات الربيع الهادئة و صفاء السماء التي تتناثر فيها النجوم المتلألئة، سألتها يوما، من أين تأتي النجوم؟ فأجابتني: " إن النجوم ما هي إلى أماني الناس يا صغيرتي، عندما تتمنين أمنية و تطلقينها إلى السماء فإنها تتحول إلى نجمة رائعة تذكرك بحلمك و تزرع الأمل في داخلك كلما نظرت للسماء". سألتها و كم نجمة تملكين يا خالتي؟ أغمضت عيناها الرائعتين العسليتين لتحصي عدد نجومها الساكنة في السماء، رفعت يدها اليمني و هي نشير بسبابتها إلى السماء: "لي هناك، في تلك السماء البعيدة أربعة عشر نجما". أغمضت عيني و أخذت في إطلاق نجماتي إلى السماء، و كم كانت أحلامي كثيرة و بريئة في تلك الليلة ، لقد تمنيت أن أحصل على الدمية التي رأيتها في واجهة محل هامليز الواقع في شارع الريجنت اللندني، صليت كثيرا لأحصل عليها، و في ذلك الوقت بالتحديد رأيت شهابا يقطع السماء، ابتسمت، و غمرت قلبي الصغير سعادة عارمة، ظننت أن ذلك الشهاب ما هو إلا أمنيتي التي أطلقتها للتو! و بالفعل تحققت تلك الأمنية، حصلت على تلك الدمية بعد أن عاد والدي من رحلته إلى لندن في صيف ذلك العام. منذ ذلك اليوم شعرت بأن ما أخبرتني به خالتي حقيقة لا خيال! و ظللت أطلق نجماتي للسماء كلما تمنيت شيئا، و لكن لم تتحقق جميعها بالطبع. تفاجأت في أحد الأيام عند زيارة خالتي في منزلها الجديد، الذي تسكنه كلما سنحت لها الفرصة في أن تعود للوطن، وجدت صورة تجمعني بإخوتي، أخذت لنا في بروكسل، معلقة في غرفة نومها، في زاوية المرآة المتصلة بالتسريحة التي تتناثر عليها زجاجات العطر و بعض مستحضرات التجميل، كنت أبلغ الرابعة عشر في تلك الصورة، لقد بدت ملامحي أصغر من سني، بسبب نحافتي، و لكن ساقاي الطويلتان سويتا المعادلة، فأكسبني طولي سنينا يمكن للمرء أن يزيدهما على ملامحي فينجح في تخمين عمري الصحيح. ضحكت بصوت مخنوق و أنا أغرق ضحكتي بكفي الذي رسا على شفتي، لأن أخواي التوأم، كانا قد فقدا قواطعهما اللبنية، و على الرغم من ذلك، كانا يبتسمان بحماس شديد في الصورة، كاشفان عن تلك الأسنان المفقوده غير آبهين بمعايير الجمال، بدا شكلهما مضحكا جدا، للدرجة التي رغبت فيها دموعي أن تطفر من عيني لتطلق تلك الضحكات المخنوقة. بدونا صغارا، و حتى شقيقتي التي غدت اليوم أما لطفلة رائعة الجمال، و صبيا لا يزال يسكن أحشائها، و يتهيأ لأن يحجز مكانه في قافلتنا بعد شهور قليلة، كانت لا تزال طفلة في تلك الصورة، و لكننا كنا نحمل الكثير من مظاهر الأخوة و الترابط و المحبة، لو أن الصورة لها أن تتكلم، لتحدثت بشغف عن مشاعر المحبة الجميلة التي كانت تفوح منها. استغربت وجود هذه الصورة عند خالتي "منال"، لا أعلم كيف حصلت عليها. مررت إصبعي السبابة بلطف عليها، و سألتها: "لماذا تعلقينها هنا؟" أجابتني و هي تبتسم و تخرج بهدوء من غرفة نومها: " لا تزال في سمائي ست نجمات أطلقتها و لم تتحقق لي بعد". كنت انظر إلى الصورة بصمت، بابتسامة رسمت عنوة على شفتي، مررت إصبعي مجددا عليها، فكرت، هل رغبت خالتي في إنجاب أربع فتيات و صبيان، ليكون لها أبناء يشبهوننا، فترتسم بذلك سعادتها و تتحقق أمنياتها. هل سيتحقق حلمها هذا و قد تخطت الأربعين من عمرها؟ لا أعرف، و لكن ما عرفته أن لكل منا ستظل هناك نجمات معلقة في السماء، و لن تتحقق يوما. قاطع تفكيري صوت خالتي و هي تناديني لتناول الشاي و فطيرة التفاح الخارجة من الفرن قبل دقائق قليلة. خرجت من الغرفة، لأجدها جالسة في الشرفة، بدت لي جميلة جدا و هي تسكب لنا الشاي في قدحين أبيضين نقشا بزهور رائعة، و انسدلت خصلتا شعرها الجميل لتداعبان خدها المتورد. مشيت بخطواتي نحوها و أدركت بأنني لم أخطئ أبدا عندما تعلق قلبي بخالتي "منال"، تلك المرأة المفعمة بالأمل، التي لا تعرف اليأس أبدا، و لا تسمح لأحلامها بأن تسيطر على سعادتها، دائما تجد ما يبهجها، و تؤمن بشدة أن السعادة تكمن في تلك الأحلام التي تحققت، و أما تلك التي لم تتحقق، فإنما حياتنا أسعد لأنها لم تتحقق. ارتشفنا الشاي، و تناولنا فطيرة التفاح، و نحن نتحدث عن الماضي و المستقبل و نجومنا التي تسبح في سماواتنا.

أضف تعليقا
من لإمارات العربية المتحدة

فيصل الرسلاني ..
و الأجمل أن يلاقي ما أكتب اعجابكم
شكرا على المرور الذي أسعدني
ألماس
كالعادة، انتظرتك بكل شوق، و لم يخب انتظاري
جميل ما كتبتي يا مبدعه
سأبقى من متابعينك و سأنتظرك دائما
من لإمارات العربية المتحدة

ألماس
تعرفين جيداً كيف تلامسين أفكاري !!
أعتقد أني أخبرتكِ بذلك يوماً
دعيني أخبركِ بسر .. "في هذه الليلة سأطلق نجماتي .. و عندما تتحقق سيعود الفضل لكِ لأنكِ أنتِ من جعلتيني أطلقها إلى فضاء الواقع"
أكثري من مقالات الأحلام .. فأنا ولدت لأحلم و لأحقق سوية
استمري يا صديقتي الغالية ..فأنا متأكدة أن أناملكٍ لا تنضب من إبداعاتها البرّاقة
من لإمارات العربية المتحدة

سالم ...
جميل جدا أن ينتظرني أحد، أن يشعرني بأنه يشتاق إلى شيء ما أصنعه، شكرا جزيلا على هذا الشعور الرائع الذي بعثته لي في هذا الصباح المنير
من لإمارات العربية المتحدة

غاليتي... عزيزتي.. والقريبة جدا إلى قلبي ((سديم))...
نعم اطلقي نجماتك للسماء يا سديم و لا تكبتيها فتتبعثري في أحلامك التي ترجين أن تتحقق، أنا أؤمن بأن كبت الأحلام إنا يبعث باليأس في تحقيقها، بينما اطلاقها فذلك يعني إشارة البدء التي أعطيناها أنفسنا لننطلق في العمل على ذلك الحلم و تحقيقه...
نعم يا عزيزتي، اطلقي كل نجماتك للسماء، و أعلم بأن السماء ستزدحم بنجومك، أعرفك بأنك فتاة تملك الكثير من الأماني الجميلة و الرااائعة، فأتركيها تسبح في السماء ... و لكن أتركي لنا مكانا هناك 
من لإمارات العربية المتحدة

صديقتي ألماس كلعادة انتظرك بكل شوق لقرائة الجديد من كتاباتك المفعمه بالأماني والأحلام .. وكم يعجبني ذلك الشعور التي عشته معكي في هذة القصه الجميله .. وتذكرت كل صورة التقطت لي منذ ان كنت صغيره ونحن غير ابهين لمعايير الجمال ولكنها تتسم بالعفويه هي ذلك الوقت ولأزال احب ان اشاهدها بين الحين والأخرى.
دمت بود
فاطمه الكوس
من لإمارات العربية المتحدة

الماس آآآآآآه يالماس .. هكذا تفعلين في غيابي
أغيب لفتره وأعود لأجدك قد غرست ثلاث زنابق ..ويالها من زنابق
كعادتك ترسمين الدهشه بكلماتك وتتقنين تشذيب الزوائد التي تركتها الحياة على قلوبنا لتبقى أنقى وأصفى كقلوب الأطفال.
الماس ترى هل سيكون رداء السماء بهيا لو زينته نجمه واحده فقط .. تكفيني منها نجمه واحده فقط ... اتسأل أحيانا هل تتسع السماء لنجمتي التي ارسلتها منذ سنين ولا زلت أرقبها في وحدتها .. هل تمد ذراعيها الي لتحملني عاليا لعالمها أم تهبط هي لعالمي .. ولكن هل تطيق النجوم معيشة القاع وهي التي ولدت من رحم النور ..
أذكر منذ سنوات كنت أستلقي مع صديقين على ربوة معشبه في ليله بارده .. فبادرني أحدهما بسؤال .. " خالد متى ناوي تعرس " فأجبت بعد تنهيده وعيناي لاتزالان معلقتان بموضع ما في السماء " أني أنتظر نجمه من تلك النجوم لتنزل لي"
أثارت إجابتي ضحكهما وتهكمهما ولا يزالان حتى الساعه كلما قابلاني يسألان "" هاه شو أخبار نجمتك نزلت ولا بعد "
الماس لي عوده لتنشق بعض عبير زنابقك التي فاتتني سابقا
من لإمارات العربية المتحدة

صديقتي العزيزه فاطمه
أحب وجودك هنا و لا تسأليني لماذا...فقط أحبه دون سبب، أشعر بالسعادة لمجرد معرفة أنك تنتظريني بشوق و تقرأيني، و أسعد أكثر عندما أشعر بأن ما أكتبه يشبهك في أحيان كثيرة...
إلهي..... و تلك الصور التي التقطت لنا و نحن صغار، إنما هي أجملها، لأننا فيها صادقين جدا في كل مشاعرنا، في السعادة و البراءة و حب الحياة، أما اليوم فقد نبتسم عندما تُلتقط لنا الصور فقط لكي "تطلع الصورة حلوه" ، في ذلك الوطر
لك مودتي و حبي
من لإمارات العربية المتحدة

خاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااالد ..
لا أعلم هل أغضب منك... أم أعاتبك ... أم أرحب بك و أعطيك العذر لغيابك أم ماذا؟؟
لقد غبت طويلا يا خالد، و على الرغم من ذلك لم يغب التساؤل عنك، كنت أقول في نفسي كلما نشرت شيئا جديدا "سيعلق خالد هذه المرة.. سيعود".... و على الرغم من ذلك و عدم رغبتي في غيابك إلا أنني أعرف بيقين أن "الغايب حجته معه"
خالد .. كم أنت قنوع، لك نجمة واحدة فقط في السماء؟!!!! و تسأل هل ستتسع السماء لها؟.... من يملكون قلبا كقلبك ليس عليهم الاستئذان لإطلاق نجومهم، و لا التساؤل إن كانت تلك النجمة ستقبلها السماء أو ستتزين بها، من مثلك لا يطلقون سوى النجوم الرائعة لذلك سترحب بها السماء و النجوم الأخرى لأنها جمييييييييلة و رائعة جدا كقلبك النقي، أعرف جيدا أن نجمتك تلك تستحق بحق الانتظار، لأنها نجمه مختلفة و مميزة تختلف عن باقي النجوم و تتفرد بروعتها
أتمنى أن تنزل نجمتك إليك قريبا، بس لازم تعزمني ^.^
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من الولايات المتحدة
جميل أن تملك الكلمه ... والأجمع أن تحسن إستخدامها ...
أبدعت
تقبلي تحيات
فيصل الرسلاني