في مراهقتي أوجدت حلماً مجنوناً و مراهقاً جدا لنفسي، رغبت في أن أكون مطربة، أغني بكل لهجات العالم، فأحي الحب و الألم و الشوق لكل القلوب العاشقة هنا و هناك، أجعلها ترقص طربا من الألم، أو ترقص متمايلة من سكرات الحب و تهذي بفعل غنائي هيامها، تلعن كل ما يتعلق بتلك المشاعر التي سكنت دواخلهم فأعطبت العقول، كانت صديقتي دلال تقول لي بأننا عندما نحب نفقد عقولنا في نطاق حياتنا العاطفية، بمعنى أننا نحافظ على ذكائنا في كل الأمور إلا في تلك المتعلقة بحبنا ، لم أكن أوافقها الرأي و لكني علمت بأن ذلك حقيقي جدا عندما أُغرمت ببدوي!... كنت لا آبه ما يمكنني أن أفعله بتلك القلوب عندما سأغني، المهم أن أُرقصها جميعها بلا استثناء بصوتي الذي سيدندن حتى يبح و سيطربها حتى تنتشي
لا أعلم إن كانت هذه الرغبة هي واحدة من الرغبات المشتركة بين المراهقات و التي لا بد أن يمرن بها ليعبرن هذه الحقبة من حياتهن بنجاح و مثالية ، فأغلب صديقاتي كن يرغبن أن يصدح صوتهن بأغاني رائعة عندما كن في تلك السن
!لا أملك صوتا شجيا كليلى مراد، و لا رائعا كالعندليب الأسمر و لكني أملك صوتا يمكن له أن يفسر مشاعري و يخرج مكنوناتي، يمكن له أن يعكسني في تلك اللحظة، فهكذا أنا، أختار أغنية و أظل أدندنها حتى تهاجرني تلك المشاعر التي أجبرت ذوقي على أن تجد تلك الأغنية جميلة جدا جدا جدا حد الضجر! ... ظللت فترة ليست بالقصيرة أدندن أغنية فيروزعندما غزتني مشاعر مختلفة أُهدت إلى قلبي الندي مرة واحدة، و لا أظن بأن لمثلها أن يتكرر في حياتي مجددا، لا يمكن لي أن أضمن الأيام، فقد تعبث بي تلك المشاعر مرة أخرى لسبب أو لآخر و لكنها لن تشبه أبدا تلك التي أُهدت إلى قلبي و هو لا يزال بكراً. ظلت الأغنية عالقة في ذهني، أرددها في السيارة، في المنزل، عندما أخرج مع الصديقات، و حتى عندما أستلقي على فراشي لأستسلم للنوم كانت تتلاعب بعقلي إلى أن تثمله، شعرت بأن تلك الكلمات و الألحان تخرج من روحي لا من حنجرتي
...
"
أنا لحبيبي و حبيبي إلي ... يا عصفورة بيضا لا بئا تسألي
لا يعتب حدا و لا يزعل حدا ... أنا لحبيبي و حبيبي إلي
حبيبي ندهني قلي الشتي راح ...رجعت اليمامة زهر التفاح
و أنا على بابي الندي و الصباح ... و بعيونك ربيعي نور و حلي
و ندهني حبيبي جيت بلا سؤال ... من نومي سرقني من راحة البال
و أنا على دربو و دربو عالجمال... يا شمس المحبة حكايتنا أغزلي
"
لا شيء يجيد إنعاش ذكرياتنا كالأغنيات، لكل أغنية نهوى سماعها حكاية، و لكل لحن أسطورة عشنها دون أن نعي حقيقة تلك اللحظات، فقط نهوى اللحظة و نعشق كل ما كان يحيط بها، الرائحة و السماء و الأفق و الأصوات. في إحدى مقاهي اسطنبول و في لياليها الشتوية، تجردت تلك المطربة الثلاثينية من معطف الخجل بعد أن اعتلت المنصة، أمسكت بالمايكروفون و أخذت تتمايل بجسدها النحيل مع أوتار عازفي الفرقة الموسيقية وهي مغمضة العينين محاولة بكل كبرياء حبس دموعها من أن تطفر من تلك العينين اللتين سرقتا لون البحر، بدأت في الغناء بصوت شجي، لم أستوعب الأغنية و لكنها كانت تغنيها بعد أن تجمع كل تلك المشاعر المتناثرة في داخلها لتطلقها دفعة واحدة مع الكلمات لتسحبك إلى لحظات الشجن فتعيشها معها. لم تكن عيناي ذات كبرياء كبير كعيناها، فأطلقت سراح دموعي لتشق طريقها دون خجل منزلقة على وجنتاي، لم آبه برواد المقهى و لا بثلة الأصدقاء الذين يشاركونني الطاولة، لقد كنت أنا و المطربة و دموعي فقط. علمت بأن وراء تلك الأغنية حكاية تخرج من قلب تلك الحسناء الثلاثينية
. صفق الجميع لها، و من عزفت على جراحه أرفق التصفيق بصفير ليعلن لها أنها أرقصت قلبه ببذخ. خرجنا و أخترنا أن نمشي تحت زخات المطر إلى الفندق الذي لا يبعد سوى بضع خطوات من المقهى، لم نكترث بالبرد القارس الذي سربل المكان، فقط قررنا أن نمشي تحت المطر و كأننا نود غسل جراحاتنا التي أدملتها تلك الفاتنة بصوتها الذي رافق معزوفات الفرقة الموسيقية الهادئة دون أن نعلن ذلك. في الطريق كان الجميع يضحك و يسترجع أحداث ذالك اليوم و يتبادل الأحاديث المجنونة إلا أنا، فقد كانت مساحات عقلي مشغولة بتلك المطربة و رواية قلبها مع تلك الأغنية. هزتني فدوى عندما اشتد هطول المطر لتوقظني من شرودي ، تسابقنا إلى الفندق و نحن نصدح بضحكاتنا التي احتفظت بها جدران الأزقة و إسفلت الطرقات لتشهد أننا مررنا يوما من هنا.











تحية ليكي و لكلماتك الرائعة
ابدعتي بوصف ما بداخلك باتقان
دمتي بود