مذكرات ألمـــاس
في قلبي وطن أعيشه بدستوري
.
.

رقصة بأقدام بيروتية - معاد النشر

* لأجل صديقتي "فاطمة" و صديقات أخر قررت نشر بعض نصوصي القديمة

 

  

في مساءات بيروت الخريفية الرائعة كنت أراها من خلف شرفتها الزجاجية  ترسم سنينها بخطواتها المُهندسة غنجا،فأشعر بأن تحت قدميها أتربة العالم مجتمعة، أتساءل  هل خلقت هذه القدمان الناعمتان لهذه المهمة فقط؟؟ فتحتار الإجابة في رأسي، جمالهما يجعلانك تفكر في أكثر من ذلك، لم يخلقا للرقص و لرسم خطوات مغرية يتمايل فيها القد فتجد العالم أجمع يقف على خصرها منبهراً، لهاتان القدمان النديتان أكثر من ذلك بكثير!! يجب أن تكون لهما حكاية أخرى، حكاية تجعلك تعشق صاحبة القدمين لسبب أو لآخر. سمعته يناديها "سمر"، ذلك الرجل الأربعيني الذي اعتاد أن يزورها يوميا، بدا لي أنه رجل ذو ثراء فاحش، فقد كان ذلك جليا على مظهره و رجاله (body guards) الذين يتبعونه. كل ليلة بعد أن ينتهي السمر و يرحل ذلك الرجل كنت أرها  تجلس في شرفتها و تبكي بحرارة، فيذوب القمر معها حزنا ليذبل في تلك الليله و تفقد سماء بيروت جمالها.

 

لم ألتقي سمر يوما و لم يدور أي حديث بيننا، اكتفينا بلقاء الشرفات الصامت، لفتتني عيناها الرائعتان التي يمكن لهما أن تُثمل العالم بأسره إن رمشت غنجا بهما. كنت أراها كل صباح في شرفتها المقابلة لشرفتنا و قد أعدت فنجان قهوتها الصباحي و جلست لتحملق في المارة أو تقرأ جريدتها اليومية و تدخن سيجارتها ، عندما كانت عيوننا تتلاقى كنا نكتفي بالابتسامة و ردها و التلويح باليد كتحية صباحية. لم نذهب لأبعد من ذلك و لم نختلق حوارا ولا حتى سلاما شفهيا.

 

استيقظت في أحد الصباحات و كعادتي قمت  بتحضير فطوري المكون من رقائق الذرة و الحليب الساخن و من دون وعي و كأنها عادة اتخذتها في صباحاتي البيروتية، اتجهت للشرفة لألقي تحيتي الصامته على سمر، لم تكن هناك ، لعلها لا تزال نائمة، انتظرتها لساعات و لكنها لم تخرج! مضت الأيام تباعا دون أن أراها في شرفتها.

 

لا أعلم سببا لذلك، و لكن بعد مضي أسبوع من غيابها، وجدتني أرمي معطفي على كتفي و اتجه دون تخطيط إلى حارس عمارتها لأسأله عنها، أخبرني أنها رحلت.  

 

غابت سمر ودخلت إلى حياتي دون أن تطأها، تركت بصمتها دون أن ترقص بقدميها الحافيتان اللاتي يزيد الخلخال جمالهما في أرضي، رحلت دون أن أعرف شيء من فصول حياتها سوى خطواتها الراقصه و عيناها الرائعتان و تحيتها الصباحية الصامتة! و نحيبها المسائي الذي أجهل حتى سببه.

 

قد نلتقي أشخاص بصمت و يرحلون بصمت، و يتركون بصمتهم في حياتنا لسبب نجهله، تماما كما فعلت سمر. يجرفنا شعور نحوهم، شعور لا يمكن لنا ترجمته، فنشتاق لتلك اللحظات التي جمعتنا بهم كيف ما كانت، و نرغب في السؤال عنهم، و تبقى صورتهم محفورة في ذاكرتنا! لا زلت أود أن ألتقي سمر، و أعرف سيرتها و حياتها التي أؤمن بأنها تضم الكثير ليحكى.

 

كلما صحت سمر في ذاكرتي أتساءل، هل لا زالت ترقص بأقدام بيروتية يكسوها الألم؟! أم أن قدماها قررتا التوقف عن تلك الخطوات و السير على طريق آخر؟ و هل لا زالت دموعها تنتثر كالنجوم في مساءات بيروت أم أن ذلك النحيب سقط من شرفتها للأبد و لم تعاود التقاطه لتعيش ما بقي من حياتها بلا نحيب؟

 

 

 

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 06 اغسطس, 2009 08:38 م , من قبل mahrany

ممكن في اغلب الاحيان نشاهد بعض الناس
لا نعيرهم الاهتمام الزايد و لكن تعودنا عليهم يومياً و لا نعرف قيمة هذا الشخص الا عند فراقة {طبعاً اي نوع من انواع الفراق}
فبعض الاشخاص فعلاً يبقون في ذاكرتنا
تحية ليكي




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.