مذكرات ألمـــاس
في قلبي وطن أعيشه بدستوري
.
.

منتجع و بحر و أحلام الصديقات

 
إلى الصديقات اللاتي أهدينني ثلاثة أيام رائعة من حياتي ....
 

 

قررنا فجأة دون مقدمات أن نقضي عطلة نهاية الأسبوع في منتجع بحري، لم ترق لي الفكرة في البداية، فالجو حار جدا و الرطوبة خانقة، و السكن بجوار البحر في هذا المناخ الصيفي قاتل. بعد تردد و إقناع مضجر من الصديقات اخترت التخلي عن رفضي و مرافقتهن. كان الطريق للمنتجع طويلا للغاية، و لا شيء يشعرني بالضجر كالمسافات الطويلة، ابتلعنا تلك المسافة بالأحاديث التي لم تنقطع مدة الأيام الثلاثة التي قضيناها هناك، لا أحد يجيد الكلام كالنساء، حتى أنهم و لا أعلم من أين اخترعوا لأحاديثنا مسماً خاصاً ليعنونوا به كل تلك الحروف التي تخرج من حناجرنا فأطلقوا عليها (كلام نسوان)، لم أعرف قط بنعت لأحاديث الرجال ،فلم أقرأ يوما في أي مكان و لم أسمع أبدا ما قد يسمى ب (كلام رجال)، نعم نجيد الحديث لأننا أكثر إثخانا بالجروح و الآلام من الرجال و أكثر تأثرا منهم، و يبدوا لي ذلك كوننا عاطفيات و أكثر حساسية من الرجال و قد نكون أقل تسامحا و نسيانا منهم، لذلك تجدنا دائما نملك ما نتحدث عنه، في بعض الأحيان أرغب في أن أحمل قلب رجل لكي أكف عن ملاحقة مشاعري و الإصغاء لها بعبودية تامة في مواقف كثيرة ، و على الرغم من ذلك فأنا أقر بأنني سعيدة جدا لأن لي قلب أنثى، فقلوبنا أجمل بكثير حين تحب و أشرس عندما تكره، كما أنها تحمل أنواع مختلفة من مشاعر الحب و أكثر من تلك التي تحملها قلوب الرجال؛  فنحن الحبيبات و الأخوات و الصديقات  و البنات و الزوجات و الأمهات،  و في كل دور نحمل مشاعراَ لا تشبه الأخرى، مشاعراَ جميلة جدا خالية من الأنانية غالباً. والدي يقول دائما بأنه محظوظ جدا لأن له أربعة "أقمار جميلة" تمنحه السعادة بمجرد النظر إليها، أخبرنا يوما أن لا شيء يزيل عن كاهله التعب الذي يسكنه من عمله اليومي كاستقبالنا له بدلال طفولي و التسابق لاحتضانه و تقبيله بشوق. قرأت يوما أن أعضاء الإنسان تزداد حجما بزيادة الاستخدام؛ و عليه يبدو أننا نملك قلوبا أكبر من الرجال و هم بالمقابل قد يملكون عقولا تفوق تلك التي نحملها نحن بين أكتافنا.

 

 أراقب الطريق فيبدو لي طويلا للغاية، و في لحظة ما شعرت بأنه يشبه ذلك الطريق اللامنتهي الذي كانت تقطعه "بنت السلطان" في حكاية جدتي (بنت السلطان و حجر الكهرمان) التي كانت ترويها لنا مرارا و تكرارا قبل النوم دون أن نملها!، لو كانت جدتي تجيد الكتابة لغدت روائية فذة و لترجمت أعمالها الروائية للغات مختفلة؛ لها القدرة على تأليف روايات رائعة  ذات تفاصيل دقيقة أشبه بتلك التي نقرأها في حكايات ألف ليلة و ليلة.  في تلك الطريق اختارت الجبال أن تسير معنا بصمت و اكتفت بحفظ أحاديثنا بين صخورها و كأنها تعدنا بأن لا تشيها لأحد، فكنا سافرات في أحاديثنا و اعترافاتنا، لم نسترها خشية العقاب الذي قد ينالنا لجرأتنا أو للأخطاء التي ارتكبنها. سكبنا حكايا قلوبنا و لحظات جنوننا و سعادتنا و زلاتنا و حتى آلامنا، روينا تلك القصص التي نخشى أو نخجل أن نكشفها إلا أمام أنفسنا بشرط أن لا نقف أمام مرآة، نتردد في كشف تلك الأسرار حتى أمام انعكاساتنا في تلك المرايا! فقط لأننا في مجتمع لا يرحم الكثير من الأخطاء و لا يغفر الكثير من الزلات. بعفوية تامة و ببراءة شديدة أخبرتنا ريم و هي تقهقه بخجل على حماقتها  المجنونة  عندما سرقت جراء العائلة البريطانية التي كانت تسكن على بعد منزلين منهم، سرقتها بسبب حبها الطفولي لطلال ابن الجيران، الذي كان يرغب بشدة في أن يمتلك كلبا، و عندما أخبرها بحزن أن والده رفض ذلك قررت سرقة تلك الجراء لأجله، و خبأتها في دولاب ملابسها حتى لا يكتشف أمرها أحد، و ما أن جن الليل و استعد الجميع للنوم بدأت الجراء في النباح بفعل الجوع، كشف أمرها وتلقت "علقة ساخنة" في تلك الليلة.  لم تستطع النوم  في ذلك المساء، لا بسبب الألم المبرح الذي غطى جسدها الصغير الندي و إنما لخشيتها بأنها قد تسجن على الذنبين اللذين افترفتهما، ذنب قلبها و ذنب يداها.

 

وصلنا إلى المنتجع مساءا، في وقت متأخر عن ما كان مقررا أن نصل فيه لأننا ضللنا الطريق المؤدي إليه. اخترنا أن تكون غرفنا مطلة على الشاطئ و مجاورة له ليشاركنا البحر كل أوقاتنا، تشاركت مع سديم في الغرفة و اختارت ريم و هند أن يكونا معا، و دانه و الغيد في غرفة واحدة. للبحر عذوبة رائعة يهدينا إياها كلما لامست أقدامنا رماله و كلما داعبت أمواجه أطرافها، يهوى تذكيرنا دائما بحكايا قلوبنا دون أن يراعي كونها غضة جدا أو خاوية أو مثخنة بالجراح، فقط يمنحنا الذكريات بحرفية قاتلة .

 

على الشاطئ شعرت بأن القلوب صادقة جدا إلى الدرجة التي تجعلك تشك بأنها قد تكون "منافقة"!، لا أعلم أكانت كذلك أم أن رائحة البحر أكسبتني ذلك الشعور. أجلس مع الصديقات و قد اخترنا أن نستسلم لأمواج البحر لتداعب أقدامنا دون أن نسحبها خجلا من تلك المداعبة. مر من خلفنا رجل ستيني مع امرأة تقاربه في السن، بدت لنا أنها زوجته، و دون شعور توجهنا بأنظارنا نحوهم لنراقبهم و هم ينثرون الحب بخطواتهم المبتعدة،  كان ممسكا بيديها و كأنه يخبر القدر بأنه لا يريد لتلك اليد أن تودعه يوما لسبب أو لآخر، و كانت هي أكثر خجلا في إعلان رغبتها تلك، أعادت هند ربط شعرها و التفتت لتواجه البحر مرة أخرى و قالت " الحب الصادق لا يموت و لا يشيخ..."

 

بنينا قصرا كبيرا من الرمل و اختارت كل واحدة غرفة لها في ذلك القصر لترسم فيها أحلامها التي ولدت و نضجت في مخيلتها. أغمضت كل واحدة عينها لتسرد حكايتها على الأخريات، حملنا أحلاما جميلة جدا و كان الجزء المشترك فيها أننا نرغب في إنجاب الذكور و الإناث و أن نشيخ مع  من نحب لتنتهي رواياتنا بنهايات سعيدة كتلك التي في قصص الأطفال. عند المغيب تركنا البحر يبتلع ذلك القصر الرملي دون أن نحاول إيقافه أو الذود عن أحلامنا التي تركتها كل واحدة منا في غرفتها التي اختارتها في القصر، اكتفينا بالمراقبة و التلويح لتلك الأحلام التي تنام الآن في أعماق البحر.  ركضنا حافيات الأقدام نحو المنتجع، حاملات أحذيتنا بأيدينا و مطلقات ضحكاتنا التي لم نخجل من أن نطلقها بكل عفوية حتى سمعنا جميع من كان على الشاطئ ، تسابقنا للفوز بالوصول إلى المنتجع لأننا اتفقنا أن أحلامنا ستتحقق بحسب الترتيب الذي سنصل فيه، فالتي تصل أولا يتحقق حلمها أولا، عندما اقتربنا من المدخل أمسكنا بأيدي بعضنا البعض و تابعنا الركض حتى نصل جميعنا "أولا" فتتحقق أحلامنا معا.  

  

 

(6) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 11 اغسطس, 2009 12:21 ص , من قبل mahrany

عزيزتي الماس
فرحت لفرحكم
جميل جداً سردك للقصة
و ان شاء الله كل احلامكن التي حلمتوا بها تتحقق
سلمت يمناكي
تحية ليكي
دمتي بخير


اضيف في 11 اغسطس, 2009 01:17 ص , من قبل Lady T
من الولايات المتحدة

دوماً تلحقنا أحلامنا للعوالم السعادة
التي نعيشها ، فنبحر على شواطئها
و الابتسامة تغمر وجدان حاضرنا ..

يارب يحقق لك كل أمانيكٍ و أحلامك !


اضيف في 11 اغسطس, 2009 10:43 ص , من قبل princessalmas
من لإمارات العربية المتحدة

mahrany
شكرا لفرحك الذي كان سببه فرحنا
و شكرا لتمنيك أن تتحقق أحلامنا .... أرجو أن تتحقق جميع أحلامك أيضا


اضيف في 11 اغسطس, 2009 10:48 ص , من قبل princessalmas
من لإمارات العربية المتحدة

ليدي تي ..

هل تعلمين، في أحيان كثيرة عندما أضجر من حياتي لسبب أو لآخر أجد الأحلام و الأماني متنفس للخروج من تلك الهالة التي أكرهها، أحب أن أكون سعيدة على الدوام و أحب أن تشبه حياتي طعم "التوت" الذي أحبه جدا ، و لكن لا نستطيع أن نعيش حياتنا دون لحظات مخيبة للأمل .. فهكذا هي الحياة

و أتمنى من كل قلبي أن تتحقق أمانيك و أحلامك أيضا


اضيف في 14 اغسطس, 2009 02:46 م , من قبل khalid
من بريطانيا العظمى المملكة المتحدة

الماس لا تحدثيني عن قلوب النساء فقد جربتها
كنت أستغرب كيف لذلك الكائن السماوي النوراني الشفاف أن يحمل كل تلك الضغينه والكره في قلبه وكيف لذلك القلب الذي كان يوما يسع الأرض ومن عليها فإذا به أضيق من خرم ابره
صدقيني ياصديقتي العزيزه ...أنتن سر


اضيف في 15 اغسطس, 2009 03:11 ص , من قبل princessalmas
من لإمارات العربية المتحدة

خالد ...

نعم أقر بأن قلوبنا لها القدرة على أن تحمل مشاعر متضادة جدا ...لها أن تحب دون حدود و لها أن تكره حد الطغيان

و قد جربت قلوبكم يا خالد .. كم هي عقلانية تلك القلوب! ... أحيانا أشببها بنظرية علمية (1 + 1 = 2)

هل تعلم أشعر بأن الله خلقنا بقلوب مختلفة لتستمر الحياة برتم رائع ، فوجود العقل و العاطفة في العلاقة يجعلها أكثر توازنا و نجاحا

كن دائما بخير أيها النقي




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.