في إكستر كان لقاؤنا الأول، و منذ تلك اللقاءات الأولى رغبت بشدة في أن احتفل معه عيد ميلاده القادم، تخيلت كيف سيكون ذلك اليوم، و كيف ستبدو كعكة عيد الميلاد و هي تحمل شموعا بعدد سنوات عمره الناضجة، أين سنحتفل، و هل سأغني له أغنية جميلة كما فعلت في عيد ميلاد سلوى، ماذا سأرتدي لأبدو فاتنة، لأكون فتاته المدللة التي اعتاد أن يراها الأكثر أناقة بين نساء الكون أجمع. إن أكثر ما حيرني عندما قررت الاحتفال بعيد ميلاده هي الهدية التي سأختارها له، ماذا عساي أن أهدي هذا الرجل الذي عجزت في لحظات كثيرة أن أفهمه على الرغم من حبي الكبير له، فهو يبدو لي في أيام كثيرة أنه بالغ النضج، للدرجة التي يشبه فيها شون كونري في أفلامه الدرامية، و أحيانا... أشعر بأنني عشقت طفلا بقامة طويلة و شعر قد غزاه بعض الشيب، لا بسبب تقدم العمر و لكن لأسباب وراثية. تساءلت عن عدد السنوات التي سأحتفل فيها معه بعيد ميلاده و ما طعم تلك الأعياد في كل عام؟، هل ستحمل جميعها طعم التوت أم أنها ستكون في مرات عديدة بلا مذاق؟!... سرحت بتفكيري بعيدا و تخيلت كيف ستكون حياتي في الأيام القادمة و هو فيها، صباحاتنا المليئة برائحة القهوة و البانكيك الذي يحبه، و ليالينا المقمرة المكتظة بالنجوم التي تتراقص فرحا معلنة للجميع عن حكاية قلبين لن يتتكررا أبدا، في تلك اللحظات رسمت بهجتي، سعادتي، و عمرا أرغب أن أعيشه أبدا، عمرا جميلا جدا، أشتهيه بشدة و تغريني فيه تفاصيله البهية. كم كنت سخية على قلبي و أنا أدون تلك الخيالات في مساحات عقلي الذي يعجز أن يستوعب جمال هذا الرجل أحيانا، فلم أذقه مرارة واحدة، جعلت حب ذلك الرجل مثاليا ، إلى الحد الذي يضجرني، إلى الحد الذي يجعلني أفقد ثقتي في نفسي لأنه يحبني و كأنني خلقت بلا عيوب! جعلته ذا قلب لا يمكن له أن ينبض إن لم أكن أنا فيه.
اتكأت بمرفقَيّ على الطاولة الحمراء التي أتشاركها معه في مقهى
La Rouge Café، أرسيت ذقني على كفاي اللذان استقرا فوق بعضهما البعض، أمامي فنجان قهوتي الملطخ بأحمر شفاهي و أكياس سكر فارغة أضفتها إلى قهوتي لأجعلها حلوة المذاق كأيامي القادمة، همست له : أرغب في أن نحتفل بعيد ميلادك هنا في ديفون. ابتسم تلك الابتسامة التي يرسمها عندما يرغب في تدليلي، بأن يعض على شفته السفلى و هو يبتسم و يرفقها بنظرات فاتنة ، أطلق قلبي حمامات زاجلة بيضاء إلى السماء تحمل رسائل حب عتيقة ، ضحكت بخجل و أنا أجمع شعري بيدي و أنثره مرة أخرى لينسدل على كتفاي الصغيران. لا أحب الاحتفال بعيد ميلادي، ليس لأنه يذكرني بأني أطفأت سنة كاملة من عمري و غدوت أكبر سنا بأثنى عشر شهرا ، و لكن لأنه يذكرني بأن لحظاتي الجميلة أصبحت أرشيفا، ماضيا و لم تعد من الحاضر. على الرغم من ذلك رغبت الاحتفال بعيد ميلاده، يبدو ذلك كوني فتاة مغرمة بالذكريات، أهوى تخزين الكثير منها في عقلي، أملك صناديق مليئة بالذكريات و مذكرات و الكثير الكثير من الصور "الكارثية" التي ألتقطها دون حرفية، فتبدو أحيانا بشعة إلى حد كبير. لا أجيد فن التصوير و لكني أملك كاميرا لألتقط ذكرياتي و أحفظها على قطعة من الورق لأتمكن من استرجاعها بأدق تفاصيلها و ألوانها متى ما شئت.
انتصف شهر يوليو و حل عيد ميلاده، ارتديت فستاني الأصفر القصير الذي زاد سمرة بشرتي فأكسبها لونا ذهبيا رائعا، صففت شعري الذي حررته من لونه الأسود و كسيته بلون عسلي لامع، دللت عنقي بعقد ماسي رقيق، أهداني إياه والدي عندما تخرجت من الجامعة، و انتعلت الحذاء الأسود الكلاسيكي ذو الكعب العالي فزاد قامتي طولا و جعل الفستان يبدو أقصر مما يجب، أقصر من ذلك الذي كانت ترتديه المانيكان في واجهة المحل الفينيسي و هي تنتعل الحذاء ذاته. حملت هديته التي اشتريتها له منذ شهرين، غُلفت تلك الهدية بعناية فائقة‘ بورق أبيض يشبه الدانتيل و لُفت بشريطة حمراء عُقدت على شكل فراشة لتعطي الهدية رونقا خاصا. اتجهت إلى المقهى الفرنسي الأحمر، حجزت الطاولة ذاتها التي جلسنا عليها في ذلك اليوم الذي أخبرته بأنني أرغب في أن أحتفل عيد ميلاده، نظرت إلى ساعتي ستون مرة إلا تسعا، انتظر... و انتظر... و انتظر، أتلفت يمنة و يسرى و أحك كفاي ببعضهما البعض ، انفخ فيهما لأكتسب بعض الدفء، المساء قارس و الضباب الخفيف يلف تلك الشوارع المضاءة بمصابيح خافتة. و أنا أنظر إلى ساعتي للمرة الحادية و الخمسون، شعرت بمعطف ذا رائحة أعشقها رسى على كتفاي، معطف يحمل عطر
Dior Homme، أغمضت عيني و تشبثت كفاي بالمعطف الذي دفنت فيه وجهي لأشبع رئتاي برائحته بشهقة واحدة طويلة، تنفستها بعمق و حبستها في داخلي لبرهة من الزمن. كم بدى جميلا و هو يحبو إلى عامة الواحد و الثلاثون، بدا لي يافعا، ناضجا، وسيما أكثر من أي مرة رأيته فيها. لم أرغب في أن ينتهي ذلك المساء، وددت لو أنني استطيع أن اعطل عقارب الساعة فأمنعها من الرحيل إلى الساعة التالية، لكي لا تبتلع اللحظة و تخزنها في أرشيف الذكريات.












...صدقني فذلك يعني لها الكثير الكثيير يا سالم
)


من لإمارات العربية المتحدة
الصدفة وحدها قادتني إلى هنا و قرأت! و ما أجمل الصدف في كثير من الأحيان
الله الله الله عليكي يا ألماس
أخذتني إلى البعيد إلى الجمال الإنجليزي و إلى الطبيعة الساحرة، إلى مقاطعة ديفون الرائعة.
أتمنى كثيرا الاحتفال بعيد ميلاد من أحب، لم آبه بالمكان و لا أين سيكون الاحتفال و ما هي الهدية التي سأجلبها لها، فأنا عكسك، أفهمها جيدا، و أعرف ما تحب و ما ترغب و ما تكره و لكني يا ألماس لا يمكنني الاحتفال معها بعيد ميلادها الذي سيحل قريبا، بعد شهرين تقريبا، لأسباب خارجة عن إرادتي و إرادتها، كتب لقلبينا الألم و البعد و استحالة الاجتماع، و لكني سأبعث لها بهدية كما عودتها في جميع أعياد ميلادها
وصف رائع و تقاطع كلمات أخذتني للبعيد
ودي